عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

116

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

الخيمة فتطعم وتسقي من يمر بها . فسألوها هل هندها لحم أو لبن يشترونه منها ؟ فقالت : « واللّه لو كان عندنا شيء ما أعوزناكم القرى ، ان القوم مرملون مسنتون » . فنظر رسول اللّه ( ص ) فإذا شاة من كسر خيمتها فسألها : « ما هذه الشاة يا أم معبد ؟ » . فقالت : « شاة خلّفها الجهد عن الغنم » فقال ( ص ) : « فهل فيها من لبن ؟ » فقالت : « بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبا فاحلبها » . فدعا رسول اللّه ( ص ) بالشاة فمسحها وذكر اسم اللّه ومسح ظهرها أو ضرعها ودعا بإناء لها يريض الرهط ، وتفاجّت ودرت فحلب فيه ثجا حتى ملأه ، فسقى أم معبد وسقى أصحابه فشربوا عللا بعد نهل حتى إذا رووا شرب ( ص ) آخرهم . وقال : « ساقي القوم آخرهم شربا » ثم حلب ( ص ) فيه عودا على بدء . وقال لها : « ارفعي هذا لأبي معبد إذا جاءك » . ثم ارتحلوا فما لبثت الا أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزلا . فلما رأى اللبن عجب وقال : « من أين هذا اللبن يا أم معبد ولا حلوب في البيت ، والشاء عازب فقالت : « لا واللّه ، الا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت . فقال : « صفية لي يا أم معبد » . فقالت : رأيت رجلا ظاهر الوضاء حسن الخلق ، مليح الوجه ، لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة ، قسيم وسيم ، في عينيه دعج ، وفي أشفاره وطف ، وفي صوته صحل ، أحور أكحل أزجّ ، في عنقه سطع وفي لحيته كثاثة ، إن قال استمعوا لقوله ، وان أمر تبادروا لأمره ، محفود محشود ، لا عابس ولا مفند » . فقال أبو معبد : « هذا واللّه صاحب قريش الذي تطلب ، ولو رأيته لا تبعته ، ولأجهدن ان وجدت إلى ذلك سبيلا » . ثم هاجرت مع زوجها إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم . وأسلما « 1 » » . من أطعمة العرب عصر الرسول ( ص ) : هذه الأحاديث جميعها صحيحة ومتفق عليها ، وهي إلى جانب كونها تعبر عن أخلاق الرسول وصفاته من صبر على الجوع واحتمال له أيام معدودات مما يضطره لأن

--> ( 1 ) رواه البيهقي وغيره ورواه الحاكم وقال ابن كثير : وقصة أم معبد الخزاعية مشهورة مروية من طرق يشهد بعضها بعضا ثم أورد هذا الحديث : برزة : أي عفيفة جليلة مسنة - مسنتون : أي أصابتهم السنة الجدباء - يريض الرهط : يشبع القوم . تفاجت : أي فتحت ما بين رجليها - ثجا : الثج : هو السيلان - عازب أي بعيدة عن المرعى . الصعلة : صغر الرأس - محشود : الذي عنده حشد . ( وهم الجماعة ) - ومحفود : أي مخدوم - المفند : الذي يكثر اللوم - الصحل : بفتح الصاء والحاء : وهو كالبحة في الصوت .